أحمد بن محمد مسكويه الرازي

86

تجارب الأمم

وبعث به هرثمة إلى المأمون وزحف هرثمة فنزل النهروان . استئمان جماعة من أصحاب طاهر إلى محمد واستأمن إلى محمد جماعة من أصحاب طاهر ، ففرّق محمد فيهم مالا عظيما وقوّد منهم جماعة وغلَّل لحاهم بالغالية فسمّوا قوّاد الغالية . وكان سبب استئمان أصحاب طاهر ما كان يبلغهم من عطاء محمد وبذله الأموال والكسى . فخرج من عسكر طاهر نحو من خمسة آلاف رجل من أهل خراسان فسرّ بهم محمد ، ووعدهم ومنّاهم وأثبت أسماءهم في الثمانين ، ودسّ محمد إلى أصحاب طاهر ، وفرّق فيهم الجواسيس وأطمعهم ، فشغبوا على طاهر ، وراسل طاهر عيونه وجواسيسه ببغداد بأن يغرى أصاغرهم بأكابرهم ، لأنّه فرّق في الأكابر خاصّة مال ، فشغبوا على محمد . ثمّ أخرج محمد المستأمنة [ 98 ] مع خلق كثير - ومع كلّ عشرة أنفس منهم طبل - إلى طاهر ، فأرعدوا وأجلبوا [ 1 ] حتّى أشرفوا على نهر صرصر فعبّى طاهر أصحابه كراديس وجعل يمرّ على كردوس كردوس فيقول : - « لا يغرنّكم كثرة من ترون ، فإنّ النصر مع الصدق والفلح مع الصبر . » ثمّ أمرهم بالتقدّم ، فصبر الفريقان ثمّ انهزم أهل بغداد وانتهبهم أصحاب طاهر ، ثمّ كثر الشغب على محمد ونقب أهل السجون سجونهم وخرجوا ، وفتن الناس ، ووثب على أهل الصلاح الدعّار والشطَّار ، فعزّ الفاجر وذلّ المؤمن واختلّ الصالح وساءت حال الناس ، إلَّا من كان في عسكر طاهر ، لتفقّده الأمور ، وغادي القتال وراوحه حتّى خربت بغداد ، وتواكل الفريقان وقاتل الأخ أخاه والابن أباه واحترب الناس [ 2 ] .

--> [ 1 ] . والعبارة في الطبري ( 11 : 865 ) : فأرعدوا ، وأبرقوا ، وأجلبوا ، ودبّوا . [ 2 ] . احترب الناس : أوقدوا نار الحرب .